ابن عربي
222
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
فإنه لا أين لك غيره ، فانظر فيه تجده محيطا بك مع كونه مستقبلك « وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ » من الأحوال « فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » أي لا تعرضوا عنه ، ووجه الشيء حقيقته وذاته ، فإن الإعراض عن الحق وقوع في العدم ، وهو الشر الخالص ، كما أن الوجود هو الخير المحض الخالص ، والحق هو الوجود ، والخلق هو العدم ، قال لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل
--> الضمير من هو ، فقال تعالى : « وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ » فأعلمه أنه الحق من ربه ، فساواهم في الطريق الموصلة إلى العلم به نصا ، ثم قال « وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » وعيد في كتمانهم الحق المتقدم الذكر ، ثم قال ثالثا : ( 151 ) « وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » فأتى به ظاهرا كما قلنا لارتفاع الاحتمالات التي تعرض للضمائر ، وهذا إنما ذكره ليبين ارتفاع الحجة عليكم من المنازعين لكم في ذلك ، فكان الأول لمعنى خاص ، والثاني لمعنى آخر ، والثالث لمعنى ليس هو الأول ولا الثاني ، والاختصاص لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم بالذكر تشريف ، قال : « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ » يعني أهل مكة القائلين لم ترك محمد قبلة أبيه إبراهيم ، وقد قال إنه قبل اتبع ملة إبراهيم ، وعدل إلى استقبال بيت المقدس ، فهذه هي الحجة التي أراد اللّه حسمها عن نبيه في تحويل القبلة ، ولا يلزم من رد حجة خصم في أمر ما أن يكون ذلك ردا أو حجة على خصم آخر بقول آخر ، واعتراض لذلك الآخر في مقابلة اعتراضه وحجته جواب آخر بدليل آخر إذا ذكر ذكر معه « إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ » يعني عاندوا فيقولون كما بدا له ورجع إلى قبلة آبائه بعد أن كان انصرف عنها ، لا نأمن عليه أن يرجع معنا إلى ديننا الذي نحن عليه ، وذلك أنه ما من حالة تكون إلا ويمكن أن يكون لها وجوه جمة من التأويلات ، فما يتخصص وجه منها دون غيره إلا بقرينة حال أو دليل واضح عند من يظهر عنده ذلك ، فما يعاند المعاند مع معرفته بصحة ما يعاند فيه إلا من أجل الاحتمالات التي تعطي تلك الحالة ، فيجد بذلك مساغا ومدخلا إلى المعاندة لا غير ، وحجة موضع الوقف والاستئناف تنبيه ، ثم قال : « فَلا تَخْشَوْهُمْ » الضمير يعود على الذين ظلموا ، يقول : لا تخافوا ما يقولون ولا ما يعاندون به ، واهملوهم واطردوهم من قلوبكم « وَاخْشَوْنِي » واشتغلوا بالخوف مني الذي بيدي الضر والنفع ، وهم لا يضرون ولا ينفعون « وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ » عطف على قوله : « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ » « وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » الترجي منهم أن يكونوا من المهتدين ، وقد تقدم الكلام في « لَعَلَّكُمْ » في أول السورة ، وقد يكون « وَلِأُتِمَّ » معطوف على شيء مقدر ، يقول : واخشوني